الثـقــافــة

إصدار جديد يدعم سوق الكتاب في الجزائر عامة وبولاية غرداية خاصة

مستويات التجريب في شعر الجنوب الجزائري

باختبار تجارب 3 شعراء من الجنوب الجزائري، الأساتذة (أحمد حمدي، محمد الأخضر سعداوي ومحمد الفضيل جقاوة). من تأليف الدكتورة “حروز سامية” و”أد. مصيطفى عقيلة”، تشهد صناعة الكتاب بالجزائر حركية أدبية فنية كبيرة ومتنوعة من حين لآخر.

ويتواصل الاستثمار فيها بشكل مستمر وبوتيرة متسارعة ملفتة للانتباه، وتشجيع لعدد كبير من الصناع ومنه للكتاب، والمؤلفين نساء ورجال شيوخ وشباب. وباتت صناعة الكتاب أمام الإنتاج الفكري المتنوع المطبوع، محل اهتمام كبير والذي جعل من السوق المحلية سوق مفتوحة أمام المتعاملين، سواء على المستوى المحلي أو الأجنبي، في ظل وجود عدد كبير من القراء المتعطشين للمطالعة والبحوث والمستهلكين بصفة خاصة.

ارتبط مفهوم التجريب كونه تقنية بفكرة تجاوز، وتخطي القوالب التقليدية، والخروج عن النمطية المتبعة في السرد والشعر على حد سواء، وذلك بهدف ابتكار تقنيات وأساليب جديدة في بناء النصوص الأدبية الشعرية، لمنحها بعدا فنيا مختلفا سواء من حيث الرؤية أو البناء.

ويعتبر الأدب الشعري الجزائري المعاصر مجالا خصبا للتجريب الأدبي، والذي ظهر كتقنية جديدة داخل النصوص الأدبية، التي صارت تجمع وتمزج ما بين التراث والحداثة، وتوظف تقنيات سردية جديدة تكسر بها النمطية التقليدية، سواء من خلال اللغة أو البناء السردي.

لا يقترن التجريب في وقتنا الحاضر بفكرة التجديد، بقدر ما يطمح إلى توظيف عناصر شكلية ودلالية بطرائق مغايرة، دون أن يعني ذلك، أن هذه العناصر لم توجد من قبل في نصوص سابقة، إلا أن طرق توظيفها وسياق إنتاجها يكسبها دلالة وتحققا مختلفين تبدو جديدة قياسا للفترات ماضية. فالتجريب نوع من الوعي الحداثي يتمرد على قواعد الكتابة الجاهزة المستقرة، وعي ضدي ينبذ التمثيل باعتباره ضرورة فنية، ويستبدل به التجريب في الأشكال والكلمات.

 بصمة المرأة الغرداوية الشعانبة والتأليف

كانت المرأة الجزائرية عامة والغرداوية الشعانبية خاصة، امتدادا للمرأة العربية الكاتبة والأديبة والشاعرة، إبداعا فهما ووعيا وفكرا مما زادها تألقا ورقيا عاليا في سماء الأدب والفن وشتى العلوم، خاصة في ولاية غرداية جوهرة الواحات، وسفيرة الإنسانية العالمية في التربية والعلوم وشتى المعارف.

لقد باتت المرأة الجزائرية عامة والغرداوية الشعانبية خاصة بجنوب الجزائر، من ربوع ولاية غرداية جوهرة الواحات، تفرض نفسها بقوة لإبراز إنتاجها الأدبي المتنوع الغزير في وقتنا المعاصر، إضافة إلى النقد والتحليل. وهذا ما يظهر جليا للعيان من خلال إصدارات مؤلفاتها المختلفة في شتى الفنون الأدبية، وذلك من وضع بصمتها وتسجيل مكانتها الخاصة بالمرأة كأنثى وسط الحقل الأدبي أمام زحف الإنتاج الذكوري لعقود خلت. ومن خلال ذلك، أثبت بأن الإنتاج الأدبي لا يخص الرجال فقط وليس حكرا على الفئة الذكورية.

ومن منطلق ذلك، ساهمت بشكل لافت ومبهر منذ زمن بعيد في دفع عجلة الفكر الأدبي عموما والشعري خصوصا المعاصر والحديث للالتحاق بالركب الحضاري، وولوج حقوله من أوسع الأبواب. فجاء إنتاجها بغزارة لمسايرة الركب الحضاريّ ودفع عجلة الفكر العربي بمختلف أنواع وبذلك سجلت ونقش بصمتها بأحرف من ذهب في شتى المجالات العلمية والأدبية والتاريخية وغيرهم.

 التجريب

يعد التجريب مغامرة جريئة، جاءت لكسر القوالب التقليدية وتطويرها، وإلباسها حللا جديدة وابتكار أخرى حديثة غير مسبوقة. وقد مس التجريب مختلف المجالات الفنية والأدبية، لإماطة اللثام عن مواطن التجريب في القصيدة الجزائرية المعاصرة، من خلال نماذج مختارة لشعراء جزائريين وغيرهم، ممن حملوا على عاتقهم مسؤولية تجديد المتن الشعري الجزائري بالجنوب الشاسع وتطويره.

ولأجل ذلك، اختير موضوع التجريب على مستوى عتبات النصوص الشعرية الثلاث المختارة باعتبارها نصوصا موازية تضيء الجوانب الدّلالية للداخل والخارج النصي، وكل ما يحمله من تفاصيل كالمؤشر التجنيسي. حيث تشابكت وتآلفت من أّجل توليد دلالات وجماليات تساعد على فّتح آّفاق القراءة التأويل.

مناقشة الدراسة

 في سياق التعبير عن التحرر من السيطرة، بدأ الشعراء في التعبير عن رغبتهم في التحرر من القيود التي فرضت على أفكارهم ومشاعرهم. وعبروا من خلال أعمالهم الشعرية. تناقش هذه الدراسة آليات التجريب ومستوياته في الشعر الجزائري المعاصر بالتركيز على تجارب 3 شعراء من الجنوب الجزائري وهم على التوالي كل من: (الأساتذة أحمد حمدي، محمد الأخضر سعداوي، ومحمد الفضيل جقاوة).

ويتتبع البحث، المسار العام الذي سلكه النص الشعري الجزائري الجنوبي في سعيه للخروج عن المألوف نحو التجريب، كما يكشف عن تنوع مواقف الشعراء من الحداثة بين استلهام التراث وبين التوفيق مع معطيات الحداثة الغربية، كذلك حاولت الدراسة استقصاء سمات التجريب الفنية والدلالية، بدراسة أشكال التحول في البنية اللغوية، والنصية والبنية الدلالية، بالإضافة إلى دراسة الثيمات الموضوعية آليات التجريب في شعر الشعراء محل الدراسة، لإدراك مدى وعي هؤلاء الشعراء بمفهوم التجريب، وهل هو اختيار جمالي نابع من رؤية معرفية أم مجرد مواكبة فنية.

يأتي هذا العمل، ثمرة اشتغال علمي ونقدي، يسعى إلى استكشاف آليات التجريب في التجربة الشعرية الجزائرية بالجنوب، ورصد تحولاتها الجمالية والدلالية من خلال مقاربة منهجية تستند إلى رؤى نقدية حديثة، وتفتح أفقا لتأمل بنية النص الشعري في سياقاته الثقافية والإبداعية.

إن هذا الإصدار لا يمثل منتهى الطريق، بل هو بداية لمسار بحث علمي أكاديمي يرحب و يطمح من خلاله إلى الإسهام في إثراء الدراسات الأدبية الشاملة، وإثارة أسئلة نقدية جديدة حول الشعر الجزائري المعاصر.

موضوع الكتاب

يقدّم كتاب “مستويات التجريب في شعر الجنوب الجزائري”، قراءة نقدية معمقة في تحولات القصيدة الجزائرية المعاصرة، من خلال استكشاف آليات التجريب وتجلياته في نماذج مختارة من شعراء الجنوب، ويعتمد العمل مقاربة بنيوية سيميائية ترصد تداخل المستويات الشكلية والدلالية وتفكك أنساق الصورة الشعرية، وتكشف عن دينامية التداخل الأجناسي وتعدد الأصوات، فضلًا عن استثمار الموروث وإعادة تشكيله داخل النص.

سعي الكتاب

من خلال ذلك، يسعى الكتاب إلى إبراز خصوصية التجربة الشعرية الجنوبية بوصفها فضاءً إبداعيا مفتوحا يزاوج بين المحلي والكوني، ويؤسس لرؤية جمالية تتسم بالعمق والتجدد، مع توظيف إجراءات التحليل الأسلوبي لتعميق الكشف عن البنى التعبيرية وطرائق تشكّل الدلالة، لتكون بذلك هذه الدراسة إسهاما نقديا يسعى إلى توسيع أفق البحث في الشعر الجزائري المعاصر، وتقديمه في صيغة منهجية مبسطة تيسّر على الطلبة والباحثين فهم آليات التجريب واستيعاب مستوياته وتحليل نماذجه.

الحاج نور الدين أحمد بامون

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى